نصر حامد أبو زيد

220

الاتجاه العقلي في التفسير

بمملوك ولا فوقه مبيح ولا آمر ولا زاجر ولا حاظر ولا من رسم له الرسوم وحدّ له الحدود . فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء . إذا كان الشيء إنما يقبح منا لأنّا تجاوزنا ما حدّ ورسم لنا وأتينا ما لم نملك اتيانه . فلما لم يكن الباري مملكا ولا تحت آمر لم يقبح منه شيء » 249 . ولا يسلّم المعتزلة للأشاعرة بهذا القول ، وذلك تأسيسا على أن الفعل إنما يقبح لصفة خاصة به لا صلة لها بالفاعل . بمعنى أن الفعل لا يقبح أو يحسن بفاعله ، بل يقبح أو يحسن لصفة ذاتية في الفعل نفسه . وبناء على ذلك يقع الفعل قبيحا أو حسنا من أي فاعل كان ، فما يقبح من العبد يقبح من اللّه إن وقع بنفس الطريقة . وما دام اللّه عالما ، فإنه يعلم قبح القبيح ، ويعلم استغناءه عن فعله ، ومن ثم يخضع فعله خضوعا ذاتيا لهذا العلم ، بمعنى أن علمه يمنعه من اختيار القبيح وفعله . ومن جهة أخرى فإن القبيح إنما يقع من الواحد منا لجلب نفع أو دفع ضرر ، واللّه تعالى يجوز عليه اجتلاب المنافع أو دفع المضار ، لأنه ليس جسما ، ولا يجوز عليه الزيادة والنقصان . وعلى ذلك يستحيل وقوع القبيح منه . وفي سبيل رفع التناقض بين إرادة اللّه وإرادة البشر ، أنكر المعتزلة أن تكون الإرادة الإلهية صفة ذاتية قديمة كما ذهب الأشاعرة وذهبوا إلى أنها صفة من صفات الأفعال ، وصفات الأفعال لا تتعلق بكل شيء ، على عكس العلم الذي يتعلق بكل معلوم . بل ألزموا الأشاعرة على قولهم بالإرادة القديمة القول بقدم العالم « لاعتقادكم أنه تعالى مريد لذاته أو بإرادة قديمة » 250 . ومن جهة أخرى ذهبوا إلى أن إرادة اللّه تنقسم إلى ضربين « أحدهما من مقدوره ، والآخر من مقدور عباده . فما يريده من مقدوره فلا بدّ من وقوعه ، وانتفاؤه يقتضي فيه ما لا يجوز عليه . وما يريده من مقدور غيره على ضربين : أحدهما يريده على جهة الالجاء والاكراه فيجب وقوعه عندما يفعله من الالجاء ، ولو لم يقع لاقتضى منه ما لا يجوز عليه . والثاني ما يريده من غيره على جهة الاختيار والطوع ، نحو ما اراده من المكلفين ، وذلك لا يوجب فيه الضعف ولا النقص إذا لم يقع . وكذلك وقوع ما كرهه منهم على هذا الوجه ، لا يوجب فيه الضعف ، وإن كان وقوع ما كرهه في الوجهين الأولين يوجب مثل ما يوجبه انتفاء ما أراد » 251 . وهكذا ينتهي المعتزلة إلى أن إرادة اللّه لأفعال عبادة إنما هي إرادة لها على سبيل الاختيار لا الالجاء ، ومن ثم لا يعدّ وقوع القبيح منهم على غير ارادته نقصا فيه أو غفلة منه أو سهوا . ولا يجب أن ننسى أن قدرة الانسان على الاختيار هي نفسها قدرة من خلق اللّه ، بمعنى أن اللّه خلق الانسان مختارا ، لا يقع الفعل منه إلّا على هذه الصفة « وذلك لأن العبد وإن أحدث الفعل وأوجده ، فإنما